يحيى العامري الحرضي اليماني

383

غربال الزمان في وفيات الأعيان

وفيها قاضي القضاة الدامغاني أبو عبد اللّه محمد بن علي الحنفي ، تفقه على القدوري ، وكان كأبي يوسف في الجاه والحشمة ، وعمر في القضاء دهرا طويلا ، ولما مات دفن إلى جنب أبي حنيفة في قبته . وفيها الفقيه الإمام في الأصلين وسائر العلوم إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد اللّه الجويني ، فخر الإسلام ، تفقه في صباه على والده واشتغل به مدته ، فلما توفي والده أتى على جميع مصنفاته ونقلها ظهرا لبطن ، وتصرف فيها ، وخرج المسائل بعضها على بعض ، ولم يرض بتقليد والده من كل وجه حتى أخذ في تحقيق المذهب والخلاف ، وسلك طريق المباحثة والمناظرة ، وجمع الطرف بالمطالعة حتى أربى على المتقدمين ، وأنسى مصنفات الأولين . توفي والده وهو دون العشرين سنة فأقعد مكانه للتدريس ، وكان يتردد إلى المشايخ في أنواع العلوم ، ويواظب على مجلسه ، حتى ظهرت براعته . ولما ظهر التعصب بين الأشعرية والمبتدعة خرج مع المشايخ إلى بغداد ، فلقي الأكابر ، وناظر ، وظهرت فطنته ، وشاع ذكره ، ثم خرج إلى مكة فجاور بها أربع سنين ينشر العلم ، ولهذا قيل له : إمام الحرمين ، ثم رجع بعد مضي نوبة التعصب إلى نيسابور في ولاية ألب أرسلان السلجوقي ، ثم عاد إلى بغداد فتولى تدريس النظامية والخطابة والتذكير والإمامة ، وهجرت له المجالس ، وانغمر ذكر غيره من العلماء ، وشاعت مصنفاته وبركاته ، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو ثلاثمائة رجل من الطلبة والأئمة وأولاد الصدور . وحصل له من القبول عند السلطان ما هو لائق بمنصبه بحيث لا يذكر غيره ، والمقبول من انتمى إليه وقرأ عليه . وصنف ( النظامي ) و ( الغياتي ) فقوبل بما يليق بهما من الشكر والخلع الفائقة والمراكب الثمينة والمرسومات « 1 » ، ثم قلد رعاية الأصحاب ورياسة الطائفة ، وفوض إليه أمر الأوقاف . وصار إلى أصبهان بسبب مخالفة الأصحاب ، فقابله نظام الملك بما هو لائق بمنصبه . وعاد إلى نيسابور ،

--> ( 1 ) في مرآة الجنان 3 / 126 : الموسومات .